أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

389

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

أمّا مشروعيّته فلأنّ أسلوب الدعوة إلى الإسلام إنّما هو الطريق الذي يمكن بواسطتها إيصال الإسلام إلى أكبر عدد من الناس وتربيتهم بثقافة الإسلام تربية مركّزة تدفعهم للقيام بما فرض الله عليهم . وحيث إنّ الشريعة الإسلاميّة لم تأمر باتّباع أسلوب محدّد في التبليغ والتغيير جاز لنا شرعاً انتهاجُ أيّة طريقة نافعة في نشر مفاهيم الإسلام وتغيير المجتمع بها ما دامت طريقة لا تتضمّن محرّماً من المحرّمات الشرعيّة . وأيّة حرمة شرعيّة في أن تتشكّل الأمّة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر في هيئة وجهاز وتكون كياناً موحّداً وفعالية منتجة في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ . إنّ الرسول القائد لو كان في عصرنا لاستعمل بمقتضى حكمته الأساليب الإعلاميّة والتبليغيّة المعاصرة والملائمة . والحقُّ أنّ أسلوبه في الدعوة ما كان عن التنظيم الحلقي ببعيد . إنّ تجميع الجهود من أجل الإسلام وتنسيقها بحكمة واختيار الطريقة الأفضل لتنظيم ذلك ليس مجرّد أمر جائز في عصرنا وحسب ، بل هو واجبٌ ما دام تغيير المجتمع وتعبيده لله ومجابهة الكفر المنظم متوقّفاً عليه . وأمّا فائدة التنظيم الإسلامي ، فقد أثبتت التجربة في مختلف التنظيمات العالميّة أنّ التنظيم هو الأسلوب الناجع في تغيير المجتمع باتّجاه الخير أو الشر . نعم إنّ هناك فرقاً بين العمل التنظيمي للإسلام وبين العمل التنظيمي لأيّ مبدأ آخر ، وهذا الفرق ينبع من طبيعة الإسلام وطبيعة المبادئ الأخرى . إنّ الروحيّة العامّة للتنظيم الإسلامي تختلف اختلافاً جوهريّاً عن الروحيّة العامّة للتنظيمات الأخرى ، فالعاملون في التنظيم الإسلامي يعملون لرسالة الله وليس لرسالة الإنسان ويطيعون أحكام الله ولا يطيعون بشراً ، ويأخذون جزاءهم من الله وليس من البشر ، والتنظيم غير الإسلامي تتسلسل فيه الأفضليّة حسب الرتبة في التنظيم ، وتصدر فيه الأوامر حسب الرتبة أيضاً . أمّا الأفضليّة في التنظيم الإسلامي فهي الأفضليّة عند الله ، فلا يستطيع ذو رتبة أعلى في التنظيم أن يعتقد في نفسه أنّه أفضل عند الله ممّن هو أقلُّ منه رتبةً . وإطاعة الأوامر في التنظيم الإسلامي إمّا أن تكون إطاعةً لأحكام شرعيّة وإمّا أن تكون التزاماً بمصلحة شرعيّة قدّرتها الدعوة . إنّ الصفة الشرعيّة الإلزاميّة للانضباط في الدعوة تنبع : أوّلًا : من العهد الشرعي أو القسم الذي يقطعه العضو على نفسه بالانضباط وفق ما تفرضه مصلحة الدعوة إلى الإسلام ، ومن المقرّر فقهيّاً أنّه عهدٌ ملزمٌ بإطاعة كلّ أوامر الدعوة إلّا إذا اعتقد الداعية اعتقاداً جازماً بحرمة تنفيذ الأمر بعد تشخيصه لموضوعه . ثانياً : من توقّف تحقيق الأهداف الإسلاميّة المقدّسة في الحياة على العمل الجماعي المنظّم والمخطّط بحكمة ، وتوقّف فعالية أيّ عمل منظّم توفّر الانضباط التنظيمي بين عناصره ، خاصّة مع فهم طبيعة القوى الكافرة في عصرنا الحاضر التي تستخدم سلاح التنظيم في محاربتها لدين الله والداعين له . ثالثاً : من إعمال الفقيه لولايته الشرعيّة في وجوب إطاعة التنظيم ، وقد ورد في الحديث الشريف : ( [ ثلاثٌ ] لا يغلّ عليهن قلبُ امرئٍ مسلم : [ إخلاص العمل ] لله ، و [ النصيحة لأئمّة المسلمين ] ، واللزوم لجماعتهم ) « 1 » ، ( قيل و [ ما ] جماعة المسلمين ؟ قال : [ جماعة ] أهل الحق وإن قلّوا ) « 2 » . إنّ انعدام المأموريّة البشريّة البحتة ضمن أجواء الدعوة في الوقت الذي يرتبط فيه أعضاء التنظيم بالله سبحانه والعمل لرسالته يشعر الدعاة تجاه إخوانهم المسؤولين الذين يُعرّفهونهم ما يأمر به الإسلام وما تقتضي به مصلحة الدعوة ومسيرتها من مواقف في مختلف الشؤون بجوٍّ من الأخوّة والاحترام والإيثار

--> ( 1 ) الأصول من الكافي 403 : 1 ( 2 ) الأمالي للصدوق : 333 .